حيدر حب الله
263
نظرية السنة في الفكر الإمامي الشيعي
القطعي إلى العلم العادي « 1 » ، لكنه تصوير مرفوض طبقا للشواهد المتقدّمة التي نقلناها عن العديد من الأخباريين ومنهم الأسترآبادي والكركي ، حيث تصرّح بأنّ مرادهم من الأوّل العلم العادي . وأبرز موقف تراجعي أخباري يمكن التركيز عليه هو موقف محمد باقر المجلسي ( 1111 ه ) ، فقد انتقد المجلسي ما يقال عن عرض كتاب الكافي على الإمام عليه السّلام ، معلّقا بالقول : « لا يخفى ما فيه على ذي لبّ » « 2 » ، لكنّه سرعان ما يوازن موقفه قائلا : « نعم ، عدم إنكار القائم [ المهدي ] وآبائه يورث الظنّ المتاخم للعلم بكونهم راضين بفعلهم ، ومجوّزين العمل بأخبارهم » « 3 » ، وهكذا يعلن المجلسيّ في « مرآة العقول » موقفه الصريح بالقول : « الحقّ عندي : أنّ وجود الخبر في أمثال تلك الأصول المعتبرة ممّا يورث جواز العمل به ، لكن لا بدّ من الرجوع إلى الأسانيد لترجيح بعضها على بعض عند التعارض » « 4 » . وهكذا تغدو مصادر الحديث الرئيسيّة معتبرة يجوز العمل بها جميعها ، لكن مع التنازل عن القول بيقينيّتها ، أمّا أمر الأسانيد فغير هام ، سوى في ترجيح نصّ على آخر . هذا هو الموقف الوسطى للمجلسي ، والذي يمكننا اعتباره اختراقا رئيسيّا في الجبهة الأخباريّة . وثمّة جملة للفيض الكاشاني ينتقد فيها الأسترآبادي على غلوّه في يقينية الكتب الأربعة وكأنه لا يرتضي منه هذا المستوى من التشدّد « 5 » . وإلى جانب المجلسي ، نجد المحدّث نعمة اللّه الجزائري ( 1112 ه ) يوافق هو الآخر على مقولة الأصوليين ويردّ - صراحة - على الأخباريين في هذا الموضوع ، فبعد استعراضه موقفي المدرستين يقول : « الظاهر أنّ الحقّ هنا مع المجتهدين . . » « 6 » ، ويستند الجزائري - لدعم رأي الأصوليين بشكل رئيس - على ظاهرة اختلاف نسخ كتب الحديث وألفاظها ووقوع التصحيف والتغيير فيها ؛ لكي يؤكّد على أن القول بيقينيّتها لا يمكنه أن يفسّر
--> ( 1 ) - الشهرستاني ، غاية المسؤول : 408 ( 2 ) - محمد باقر المجلسي ، مرآة العقول 1 : 22 . ( 3 ) - المصدر نفسه . ( 4 ) - المصدر نفسه . ( 5 ) - الفيض الكاشاني ، الحقّ المبين في كيفيّة التفقّه في الدين : 12 . ( 6 ) - نعمة اللّه الجزائري ، منبع الحياة : 65 .